وهبة الزحيلي

112

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فَقالَ : إِنِّي سَقِيمٌ أي مريض عليل ، قاصدا بذلك أنه مريض القلب من إقبال قومه على الكفر والشرك وعبادة الأوثان . والخلاصة : إن نظر إبراهيم في النجوم ، وقوله : إِنِّي سَقِيمٌ من قبيل التورية ، فإنه أراد شيئا ، وفهموا منه شيئا آخر ، تمهيدا لخطته التي بيّتها في أن يكايد أصنامهم ، حينما سيخرجون من الغد في يوم عيد لهم ، وذلك بالتخلف عن الخروج معهم ، دون أن يطلعوا على ما بيّت عليه النية . وبه يتبين أن إبراهيم عليه السلام لم يقدم على النظر إلى النجوم كما يفعل عبدتها ، فذلك غير جائز ، ولم يكن كاذبا في قوله : إِنِّي سَقِيمٌ . فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ أي تركوه وذهبوا إلى عيدهم ومعبدهم . فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ ، فَقالَ : أَ لا تَأْكُلُونَ ؟ أي فمال خفية وذهب في سرعة إلى تلك الأصنام التي كانوا يعبدونها ، وقد وضعوا لها الطعام في عيدهم لتباركه ، وقال لها تهكما واستهزاء : ألا تأكلون من هذا الطعام المقدم إليكم ؟ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ؟ أي ما الذي يمنعكم من النطق والجواب عن سؤالي ؟ ومراده التهكم والاحتقار ، لأنه يعلم أنها جمادات لا تنطق . فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ فمال عليهم يضربهم بقوة وشدة حتى حطمهم إلا كبيرا لهم ، كما في سورة الأنبياء . فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ أي فأقبل إليه قومه بعد عودتهم من عيدهم مسرعين ، يسألون عمن كسرها ، وقد قيل : إنه إبراهيم ، وعرفوا أنه هو ، فقالوا له : نحن نعبدها وأنت تكسرها ؟ ! ! ولما جاؤوا يعاتبونه ، أخذ يؤنبهم ويعيبهم ، فقال : قالَ : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ؟ أي أتعبدون من دون اللّه أصناما أنتم تصنعونها وتنحتونها بأيديكم ؟